الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

174

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

والتي جميعها ترجع إلى شئ واحد تقريبا . وعلى كل حال فإن قسما من المسلمين أقدموا على قطع بعض نخيل بني النضير ، في الوقت الذي خالف البعض الآخر ذلك ، وهنا نزلت الآية أعلاه وفصلت نزاعهم في هذا الموضوع ( 1 ) . وقال البعض الآخر : إن الآية دالة على عمل شخصين من الصحابة ، وقد كان أحدهم يقوم بقطع الجيد من شجر النخل ليغضب اليهود ويخرجهم من قلاعهم ، والآخر يقوم بقطع الردئ من الأشجار كي يبقي ما هو جيد ومفيد ، وحصل خلاف بينهم في ذلك ، فنزلت الآية حيث أخبرت أن عملهما بإذن الله ( 2 ) . ولكن ظاهر الآية يدل على أن المسلمين قطعوا بعض نخل ( اللينة ) وهي نوع جيد من النخل ، وتركوا قسما آخر ، مما أثار هذا العمل اليهود ، فأجابهم القرآن الكريم بأن هذا العمل لم يكن عن هوى نفس ، بل عن أمر إلهي صدر في هذا المجال ، وفي دائرة محدودة لكي لا تكون الخسائر فادحة . وعلى كل حال فإن هذا العمل كان استثناء من الأحكام الإسلامية الأولية التي تنهي عن قطع الأشجار وقتل الحيوانات وتدمير وحرق المزارع . . والعمل أعلاه كان مرتبطا بمورد معين حيث أريد إخراج العدو من القلعة وجره إلى موقع أنسب للقتال وما إلى ذلك - وعادة توجد استثناءات جزئية في كل قانون ، كما في جواز أكل لحم الميت عند الضرورة القصوى والإجبار . جملة وليخزي الفاسقين ترينا على الأقل أن أحد أهداف هذا العمل هو خزي ناقضي العهد هؤلاء ، وكسر لشوكتهم وتمزيق لروحيتهم . * * *

--> 1 - تفسير أبو الفتوح الرازي ، ج 11 ، ص 93 ، وجاء هذا المعنى في الدر المنثور ، ج 9 ، ص 188 . 2 - تفسير الفخر الرازي ، ج 29 ، ص 283 .